السيد محمد تقي المدرسي
140
من هدى القرآن
يشيد بالعلم وبما يكتب به . ونستوحي من كل ذلك أن موقع القلم هو خدمة الدين والعلم لا تضليل الناس أو استعبادهم ، ولا يكون ذلك إلا إذا تسلح به المؤمنون وبادروا للانتفاع به قبل الجبارين ومرتزقتهم . [ 2 ] ويربط الوحي بين حقيقة العلم الذي يسطره القلم وحقيقة الرسالة ، وقد ظهرت هذه الصلة مرة أخرى في سورة العلق عند قوله تعالى : « اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ » [ العلق : 3 - 5 ] فما هي العلاقة بين الأمرين ؟ . إن هذا الربط يكشف بصيرة مهمة وهي علاقة العلم بالإيمان ، وبتعبير آخر علاقة العقل بالوحي ، ذلك أن العقل هو الذي يذكِّرنا بالوحي ويهدينا إليه ، كما أن الوحي هو الذي يستثير العقل ويستخرج كوامنه ويوجه مسيرته نحو الحق . وإن من يتعلم ويقرأ تجارب العقل البشري عبر التاريخ لا ريب يهتدي إلى أن الرسالة الإلهية ليست جنونا ، ولا إلقاءات الشيطان ، ولا أساطير الأولين ، وأنها لا يمكن أن تتنزل إلا من رب العالمين ، لو أنصف الحق من نفسه وقصد سواء السبيل . إلا أن المكذبين يكيلون التهم الباطلة التي يرفضها كل عاقل ليبرروا رفضهم للحقيقة ، وتهربهم من المسؤولية التي تفرضها . ثم هل اكتفوا بذلك ؟ كلا . . لقد حاولوا التأثير على الرسول ليداهنهم في بعض قيم الرسالة بما يحفظ مصالحهم ويحوِّلها إلى طائفة من الطقوس الخفيفة الفارغة من قيم الحق والتقوى والعدل والاجتهاد ، فقالوا له ما قاله الطغاة لكل مصلح وداعية حق عبر التاريخ . قالوا : إنك لمجنون . لماذا ؟ لأن القيم التي تؤمن بها وتسعى لنشرها تتنافى وقيم النخبة المستكبرة التي تتحكم بمصائر الناس ، ثم جنَّدوا لنشر هذه الدعايات إمكاناتهم المادية والمعنوية ، وهكذا استهدفوا هزيمة المصلحين نفسيًّا لعلهم يتنازلون عن بعض قيمهم . وأمام الهجمة التي يشنها أولئك المضللون ضد الرسول والرسالة يقف الوحي مسددا للرسول صلى الله عليه وآله ولكل الرساليين عبر التاريخ ، ومدافعا عن قيم الحق ، حيث يؤكد القرآن أن ما يزعمونه ما هو إلا كذب وافتراء ، وذلك بالتذكرة بالبصائر التالية : أولًا : إن الرسالة التي يحملها الرسول ويدعو إليها نعمة إلهية لا يدانيها جنون ، لأنها حيث يدرسها الإنسان ويتدبر معانيها يجدها قمة العقل ، بل هي متقدمة بخطوات كثيرة على مسيرة العقل البشري لأنها من عند رب العقول . « مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ » لأن المجنون هو الذي سلب الله عقله ، وقد أنعم الله على رسوله بالوحي الذي يكمل العقل ، وكيف يكون من يحمل للبشرية نور الحكمة والعلم والبصيرة مجنونا ؟ ! . إن الرسالة التي تنظم حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية